عني الدستور الكويتي بالأسرة باعتبارها أساس المجتمع و أن القانون يكفل
كيانها و يقوي أواصرها و يحمي في ظلها الأمومة و الطفولة ( م 9 ) ، إلا أن
الإحصائيات تشير إلى تنامي الأمراض الوراثية في المجتمع على نحو تعجز معه
برامج التوعية أن تواجه انتشارها ، و لا ريب أن أمراض الدم الوراثية تمثل
الشريحة الأكبر و الأخطر من بينها ، حيث لوحظ في الفترة الأخيرة تزايد
أعداد الأطفال المصابين بهذا المرض و هو ما يدعو للمسارعة بمواجهة بسن
التشريعات المتضمنة حلولا وقائية تمنع هذه الزيادة المطردة بمعدل الإصابات
بما يكفل كيان الأسرة و يقي إصابة العديد من الأطفال بالأمراض الوراثية .
و يعد المشرع المعني الرئيسي بهذه المشكلة خصوصا بعد فشل برامج التوعية في
مواجهتها ، فإليه اسند الدستور كفالة كيان الأسرة و حماية الطفولة و رغم
نهوض المشرع بهذه المهمة إلا هذه المشكلة تجاوزت أطرها العامة و خرجت عن
كونها مرضا خطيرا إلى كونها قضية مصيرية تؤثر على المجتمع و تعوق تنميته و
أوجدت العديد من المشاكل الاجتماعية و النفسية للأسرة إضافة للأعباء
المالية و الضغط الكبير على المؤسسات الصحية ، و من هنا أصبح لزاما على
جهات الاختصاص – كل في مجاله – التدخل لمنع الزيادة في معدلات الإصابة
بأمراض الدم الوراثية وصولا للقضاء على هذه الأمراض .
و تعتبر وزارة الصحة الجهة المنوط بها العمل على التوعية من هذا المرض و
القيام بمكافحته باعتبارها الجهة التي أناط بها القانون المحافظة على الصحة
العامة و حماية الأسرة و الطفولة ، فالمشرع يضع قواعد عامة مجردة يترك أمر
تنفيذها للسلطة التنفيذية ، فحماية الأسرة من الأمراض الوراثية إضافة
لوقاية الأطفال من الإصابة بها من اختصاص وزارة الصحة التي يتعين عليها وضع
أسس و ضوابط هذه الحماية و مراقبة تطبيقها تحقيقا لقصد الشارع .
و المعرفة الطبية و العملية بهذه الأمراض أثبتت بصورة قاطعة أن السبيل
الوحيد لوقف الإصابة بهذه الأمراض و مكافحتها هو إلزام المتزوجين بالفحص
المسبق قبل الزواج ، و يمكن النظر إلى التجربة القبرصية التي لم يولد فيها
لهم مولود واحد مصاب منذ تطبيق القرار – طبق منذ عشرين سنة – و إلى يومنا
هذا .
و نشير إلى أن الفحص الإلزامي قبل الزواج لا يترتب عليه تقييد الزواج بشروط
أو ضوابط كون أن الفحص يهدف لتحقيق التوافق بين الدماء لمكافحة انتقال
أمراض الدم الوراثية و لتوعية الزوجين بمخاطر انتقال المرض لأولادهم و
انعكاس ذلك على حياتهم دون أي إلزام تجاه أي منهما بنتيجة الفحص ، فيظل
الخيار بأيديهم فهم و حتى إن قرروا المضي بالزواج إلا إنهم واعين اثر ذلك و
مدركين لتبعاته الأمر الذي يدفعهم لاتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لمراقبة
صحة أطفالهم منذ ولادتهم و المبادرة بالعلاج حين الإصابة لا سمح الله .
لذلك يجب على وزارة الصحة أن تبدأ بتوسعة أسس مكافحة المرض و عدم الاكتفاء
ببرامج التوعية و اعتماد طريقة الفحص قبل الزواج كعلاج حاسم للمرض و ذلك عن
طريق ما تصدره من قرارات و لوائح تنظم بها طريقة مكافحة الأمراض و تحدد
ضوابط العلاج و أساليب الوقاية مع مراعاة حدود المشروعية و عدم انتهاك
القواعد القانونية ، فبالرغم من أن أمراض الدم الوراثية ليست أمراضا
مستهجنة أو مشينة إلا أن البيانات الطبية تعد بيانات سرية لا يمكن الاطلاع
عليها إلا لذوي العلاقة أو لصاحب صفة و إعلان الطرف الأخر الراغب بالزواج
لا يخل بقواعد السرية كونه طرفا ذو صلة بالمرض بما يؤثر به الأخير على
حياته و حياة أطفاله و هو ما يتعين معه أن يصدر القرار متضمنا قواعد الفحص
الموضوعية و الإجرائية .
و لا يغني تصدي وزارة الصحة وحدها لمكافحة هذه الأمراض كون أن التصدي لها
يحتاج ميزانية كبيرة و تجهيزات مكانية و فنية لذلك يتعين على مجلس الوزراء
كذلك أن يوفر كل ما تحتاجه الوزارة في هذا الشأن و ذلك بان يصدر قرارا يخصص
ميزانية مناسبة و يلزم باقي وزارات و مؤسسات الدولة بان تتعاون مع وزارة
الصحة في هذا الشأن كي تتمكن من القيام بدورها .
و يمكن تحديد إطار الفحص الإلزامي بعقد القران أو بتوثيق العقد ، ففي
الحالة الأولى فان الفحص و أن لم يكن من شروط صحة الزواج إلا انه كسائر
البيانات الأخرى – كإثبات الهوية – التي يتطلبها عقد القران إلزامي و التي
لا تقيد الزواج لعدم ارتباطه بنتيجتها .
أما الحالة الثانية فهي ربط توثيق العقد بإجراء الفحص و بحيث لا يتم توثيق
أي عقد دون إجراء الفحص الإلزامي فلا يمكن تبعا لذلك استكمال باقي
الإجراءات – كاستلام قرض الزواج أو التسجيل في الرعاية السكنية – دون
القيام بالفحص بيد أن انتهاج هذه الطريقة قد لا يؤتى بثماره لسبق عقد
القران و الآثار الاجتماعية التي تحيط بذلك .
لذلك انتهجت الدول المقارنة سبيل إقرار الفحص الإلزامي قبل عقد القران و
بحيث يلتزم المأذون بطلب استمارة الفحص ، و بهذه الطريقة نكون استبقنا عقد
القران بإعطاء الزوجين الفترة الكافية لمعرفة المرض و تداعياته مما يسهل
عليهم اتخاذ القرار المناسب .
التوصيات :-
- صدور قانون أو قرار من مجلس الوزراء بالتنظيم العام للفحص قبل الزواج و
تخصيص ميزانية مناسبة .
- صدور قرار من وزارة الصحة يحدد الضوابط الموضوعية و الإجرائية للفحص على
أن يتضمن القرار تشكيل لجنة تقوم بالتنسيق مع كافة الجهات المعنية .
- قيام اللجنة بالتنسيق مع الوزارة الحكومية – كوزارة الإعلام و العدل – و
كافة المؤسسات الحكومية - كبنك التسليف – للقيام بحملات التوعية و ضمان
تنفيذ القرار . |